الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
159
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
يقلعون عنه ، وهو سبب استمرار كفرهم . وفي المضارع أيضا استحضار حالة هذا التكذيب استحضارا يقتضي التعجيب من تكذيبهم لأن معهم من الدلائل ما لحقه أن يقلع تكذيبهم بالجزاء . والدين : الجزاء . [ 10 - 12 ] [ سورة الانفطار ( 82 ) : الآيات 10 إلى 12 ] وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ ( 10 ) كِراماً كاتِبِينَ ( 11 ) يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ( 12 ) عطف على جملة تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ [ الانفطار : 9 ] تأكيدا لثبوت الجزاء على الأعمال . وأكد الكلام بحرف إِنَّ ولام الابتداء ، لأنهم ينكرون ذلك إنكارا قويّا . و لَحافِظِينَ صفة لمحذوف تقديره : لملائكة حافظين ، أي محصين غير مضيعين لشيء من أعمالكم . وجمع الملائكة باعتبار التوزيع على الناس : وإنما لكل أحد ملكان قال تعالى : إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ ق : 17 ، 18 ] ، وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أن لكل أحد ملكين يحفظان أعماله » وهذا بصريح معناه يفيد أيضا كفاية عن وقوع الجزاء إذ لولا الجزاء على الأعمال لكان الاعتناء بإحصائها عبثا . وأجري على الملائكة الموكّلين بإحصاء أعمالهم أربعة أوصاف هي : الحفظ ، والكرم ، والكتابة ، والعلم بما يعلمه الناس . وابتدئ منها بوصف الحفظ لأنه الغرض الذي سبق لأجله الكلام الذي هو إثبات الجزاء على جميع الأعمال ، ثم ذكرت بعده صفات ثلاث بها كمال الحفظ والإحصاء وفيها تنويه بشأن الملائكة الحافظين . فأما الحفظ : فهو هنا بمعنى الرعاية والمراقبة ، وهو بهذا المعنى يتعدى إلى المعمول بحرف الجر ، وهو ( على ) لتضمنه معنى المراقبة . والحفيظ : الرقيب ، قال تعالى : اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ [ الشورى : 6 ] . وهذا الاستعمال هو غير استعمال الحفظ المعدّى إلى المفعول بنفسه فإنه بمعنى الحراسة نحو قوله : يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ الرعد : 11 ] . فالحفظ بهذا الإطلاق يجمع